نخبة من الأكاديميين
218
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
ومن أهم هذه العوامل الدولية : تطور الكشوف الجغرافية ، وتطور تكنولوجيا التسليح لدى الطرف الأوروبي ، وذلك في فترة مرت فيها التوازنات الأوروبية وأوضاع الأطراف الأوروبية بتطورات مهمة ساهمت في إسقاط دولة المماليك من ناحية ، وواجهت الطرف العثماني بتحديات جديدة من ناحية أخرى . وكان من أهم العوامل الخاصة بالعالم الإسلامي : ذلك الضعف المتنامي للمماليك ، وظهور الدولة الصفوية منذ سنة 1503 م ، واتجاه الحركة العثمانية نحو الشرق والجنوب حيث كان الاصطدام بالمماليك والصفويين والبرتغاليين ثم الأسبان بعد ذلك . ولقد انعكس تأثير هذه العوامل في كل مجموعة من التفاعلات المتداخلة بين مراكز القوة الإسلامية الثلاثة وبينها وبين الأطراف الأوروبية ، وذلك على ساحة عدة أنساق فرعية دولية هي : قلب العالم الإسلامي ، والأندلس وشمال أفريقيا ، والبحار الجنوبية وشرق أفريقيا وسواحل الهند . ومن هنا يبرز - ومنذ هذه اللحظة وعلى عكس القرون الثلاثة الماضية - دخولُ بعض الأنساق الفرعية في صميم التفاعلات الدولية بين المسلمين والمسيحيين ، ومن أهم هذه الأنساق الهند وفارس ( بعد ظهور الدولة المغولية والدولة الصفوية ) ودول شمال أفريقيا بعد انتقال حدود المواجهة بين العالمين الإسلامي والمسيحي إليها منذ سقوط الأندلس ، في حين تغيرت طبيعة نسق فرعي آخر وهو " وسط آسيا " حيث لم يعد فاعلًا بقدر ما أضحى موضوعًا لتفاعلات بعد أن ظل لقرون طويلة مصدرًا لحروب وتحديات عديدة لأطراف مسيحية وإسلامية على حد سواء . وتنقسم هذه المرحلة بين عدة محاور تغطي كل منها نسقًا فرعيًا . 1 - التغير في طبيعة الهجمة الأوروبية الجديدة : الدور الأسباني والبرتغالي بعد سقوط غرناطة وخلال الأعوام الأخيرة من القرن التاسع ه - ، الخامس عشر م ، شهد الدور الأسباني والبرتغالي في الأندلس وتجاه شمال أفريقيا وغربها اللمسات الأخيرة التي انتقلت بهذين الدورين إلى مرحلة جديدة في مهاجمة العالم الإسلامي . فبعد إتمام مرحلة " الاسترجاع " في الأندلس ، وعلى ضوء التلاحم الشديد والمستمر بين أوضاع المسلمين في الأندلس وأوضاع الدول الإسلامية في شمال أفريقيا ، دخل الدور الأسباني مرحلة إحكام الهجوم على هذه الدول . وبعد محاولات متكررة منذ بداية القرن العاشر ه - ، الخامس عشر م لسيطرة البرتغال على شواطئ غرب أفريقيا ، تطورت هذه المحاولات لتصل إلى ما سُميَ بالكشوف الجغرافية ، بعبارة أخرى كان الدوْرانِ مترابطين متكاملين ، يجعلان منطلقهما الأندلس المسيحية وهدفهما الشرق الإسلامي ومعبرهما شمال وغرب وجنوب أفريقيا . ولقد أثر الدوْرانِ المترابطان المتكاملان على شبكة التفاعلات الإسلامية الدولية في هذه المرحلة وخلال القرن السادس عشر م بأكمله ، وكان من أهم نتائجهما : الإسراع بالسقوط المملوكي ، وتصفية الوجود الإسلامي في الأندلس ، وتغيير قواعد لعبة التوازنات الدولية بين العثمانيين والمماليك والصفويين